ابن الجوزي
400
صيد الخاطر
وهذا شيء ما عرفه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ولا أصحابه وإنما كانوا يأكلون دون الشبع . فأما الحمل على النفس بالجوع فمنهيّ عنه . ويقول قال داود الطائي لسفيان : إذا كنت تشرب الماء البارد متى تحب الموت ؟ وكان ماؤه في دن . وما علم أن للنفس حظا ، وان شرب الماء الحار يرهّل المعدة ويؤذي ، وان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم كان يبرد الماء ، ويقول آخر منهم : منذ خمسين سنة أشتهي الشواء ما صفا لي درهمه . ويقول آخر : أشتهي أن أغمس جزرة في دبس فما صح لي . أتراهم أرادوا حبة منذ خرجت من المعدن ما دخلت في شبهة ؛ هذا شيء ما نظر فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وان كان الورع حسنا . ولكن لا على حمل المشاق الشديدة . وهذا بشر الحافي يقول : لا أحدث لأني أشتهي أن أحدث . وهذا تعليل لا يصلح ، لأن الانسان مأمور بالنكاح ، وهو من أكبر المشتهى . وكان بشر حافيا حتى قيل له الحافي ، ولو ستر أمره بنعلين كان أصلح ، والحفا يؤذي العين ، وليس من أمر الدنيا في شيء . فقد كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم نعلان وما كانت سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم وأصحابه على ما المتزهدون عليه اليوم . فقد كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يضحك ويمزح ويختار المستحسنات ويسابق عائشة رضي اللّه عنها . وكان يأكل اللحم ، ويحب الحلوى ، ويستعذب له الماء . وعلى هذا كان طريقة أصحابه . فأظهر المتزهدون طرائق كأنها ابتداء شريعة ، وكلها على غير الجادة . ويحتجون بقول المحاسبي والمكي ، ولا يحتج أحد منهم بصحابي ولا تابعي ولا بإمام من أئمة الاسلام فان رأوا عالما لبس ثوبا جميلا أو تزوج مستحسنة ، أو أفطر بالنهار . أو ضحك . عابوه . فينبغي أن يعلم أن أكثر من صح قصده منهم على غير الجادة لقلة علمهم . حتى أن بعضهم يقول : منذ ثمانين سنة ما اضطجعت . ويقول آخر : حلفت لا أشرب الماء سنة . وهؤلاء على غير الصواب ، فان للنفس حقا ، فأما من ساء قصده ممن نافق وراءى لاجتلاب الدنيا وتقبيل الأيدي فلا كلام معه ، وهم جمهور المتصوفة ، فإنهم رقّعوا الثياب الملونة ليراهم الناس بعين الترك للزينة ، وما معهم أحسن من السفلاطون « 1 » ، وإنما رقع القدماء للفقر . فهم في اللذات
--> ( 1 ) كذا .